ابن خلدون

453

تاريخ ابن خلدون

اليتامى والوصايا ولقد يقال بان مباشرة السلطان قديما بالولاية انما كانت تكون له فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين اختصني السلطان بهذه الولاية تأهيلا لمكاني وتنويها بذكرى وشافهته بالتفادي من ذلك فأبى الا امضاءه وخلع على بإيوانه وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين فقمت بما دفع إلى من ذلك المقام المحمود ووفيت جهدي بما آمنني عليه من أحكام الله لا تأخذني في الله لومة ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة مسويا بين الخصمين آخذ الحق الضعيف من الحكمين معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين جانحا إلى التثبت في سماع البينات والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات فقد كان البر منهم مختلطا بالفاجر والطيب ملتبسا بالخبيث والحكام ممسكون عن انتقادهم متجاوزون عما يظهر عليهم من هناتهم لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة فان غالبهم مختلطون بالأمراء معلمون للقرآن وأئمة في الصلوات يلبسون عليهم بالعدالة فيظنون بهم الخير ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة والتوسل لهم فأعضل داؤهم وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب ومؤلم النكال وتأدى لعلمي الجرح في طائفة منهم فمنعتهم من تحمل الشهادة وكان منهم كتاب الدواوين للقضاة والتوقيع في مجالسهم وتدربوا على إملاء الدعاوى وتسجيل الحكومات واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود باحكام كتابتها وتوثيق شروطها فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم وتمويه على القضاة بجاههم يدرعون به مما يتوقعونه من مغبتهم لتعرضهم لذلك بفعلاتهم وقد يسلط بعض منهم قلمه على العقود المحكمة فيوجد السبيل إلى حلها بوجه فقهي أو كتابي ويبادر إلى ذلك متى مادعا إليه داعى جاه أو منحة وخصوصا التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر لكثرة عوالمه فأصبحت خافية الشهرة مجهولة الأعيان عرضة للبطلان باختلاف المذاهب المنصوبة للاحكام بالبلد فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا شارطوه وأجابوه مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا فيه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب وفشا من ذلك الضرر في الأوقاف وطرق الغرر في العقود والاملاك فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم على وأحقدهم ثم التفت إلى أهل الفتيا بالمذهب وكان الحكام منهم على جانب الحيرة لكثرة معارضتهم وتلقينهم الخصوم وفتياهم بعد نفوذ الحكم وإذا فيهم أصاغر فبينما هم يتشبثون بأذيال الطب والعدالة ولا يكادون إذا بهم ظهروا إلى مراتب الفتيا والتدريس فاقتعدوها وتناولوها بالجزاف وأجازوها من غير مرتب ولا مستند للأهلية ولا مرشح إذ الكثرة فيهم بالغة ومن كثرة الساكن مشتقة وقلم الفتيا في هذا